مجمع البحوث الاسلامية
476
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
في المفهوم ، فربّما خصّص به العامّ أو عمّم به الخاصّ ، أو تصرّف في المفهوم بأيّ تصرّف آخر ، وهو الّذي نسمّيه بتصرّف القرائن العقليّة غير اللّفظيّة . مثال ذلك : أنّا إذا سمعنا عزيزا من أعزّتنا ذا سؤدد وثروة ، يقول : وإن من شيء إلّا عندنا خزائنه ، وتعقّلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته ، حكمنا في مرحلة التّطبيق على المصداق ، أنّ له أبنية محصورة حصينة ، تسع شيئا كثيرا من المظروفات ، فإنّ الخزانة هكذا تتّخذ إذا اتّخذت ، وأنّ له فيها مقدارا وفرا من الذّهب والفضّة والورق والأثاث والزّينة والسّلاح ، فإنّ هذه الأمور هي الّتي يمكن أن تخزن عندنا وتحفظ حفظا ، وأمّا الأرض والسّماء ، والبرّ ، والبحر ، والكوكب ، والإنسان ، فهي وإن كانت أشياء لكنّها لا تخزن ولا تتراكم ، ولذلك نحكم بأنّ المراد من الشّيء بعض من أفراده غير المحصورة ، وكذا من الخزائن قليل من كثير ، فقد عاد النّظام الموجود في المصداق ، وهو أنّ كثيرا من الأشياء لا يخزن ، وأنّ ما يختزن منها إنّما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة ، أوجب تقييدا عجيبا في إطلاق مفهوم الشّيء والخزائن . ثمّ إذا سمعنا اللّه تعالى ينزّل على رسوله قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ الحجر : 21 ، فإن لم يرق أذهاننا عن مستواها السّاذج الأوّليّ ، فسّرنا كلامه بعين ما فسّرنا به كلام الواحد من النّاس ، مع أنّه لا دليل لنا على ذلك ألبتّة ، فهو تفسير بما نراه من غير علم . وإن رقّت أذهاننا عن ذلك قليلا ، وأذعنّا بأنّه تعالى لا يخزن المال ، وخاصّة إذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الآية : وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ، ويقول أيضا : وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الجاثية : 5 ، حكمنا بأنّ المراد بالشّيء ، الرّزق من الخبز والماء ، وأنّ المراد بنزوله نزول المطر ، لأنّا لا نشعر بشيء ينزل من السّماء غير المطر ، فاختزان كلّ شيء عند اللّه ، ثمّ نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر ، ونزوله لتهيئة الموادّ الغذائيّة ، وهذا أيضا تفسير بما نراه من غير علم ؛ إذ لا مستند له ، إلّا أنّا لا نعلم شيئا ينزل من السّماء غير المطر ، والّذي بأيدينا هاهنا عدم العلم دون العلم بالعدم . وإن تعالينا عن هذا المستوى أيضا ، واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن بغير علم ، وأبقينا الكلام على إطلاقه التّامّ ، وحكمنا أنّ قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ يبيّن أمر الخلقة ، غير أنّا لمّا كنّا لا نشكّ في أنّ ما نجده من الأشياء المتجدّدة بالخلقة ، كالإنسان والحيوان والنّبات وغيرها ، لا تنزل من السّماء وإنّما تحدث حدوثا في الأرض ، حكمنا بأنّ قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ، كناية عن مطاوعة الأشياء في وجودها لإرادة اللّه تعالى ، وأنّ الإرادة بمنزلة مخزن يختزن فيه جميع الأشياء المخلوقة ، وإنّما يخرج منه وينزل من عنده تعالى ما يتعلّق به مشيّته تعالى ، وهذا أيضا كما ترى تفسير للآية بما نراه من غير علم ، إذ لا مستند لنا فيه سوى أنّا نجد الأشياء غير نازلة من عند اللّه بالمعنى الّذي نعهده من النّزول ، ولا علم لنا بغيره .